السيد هادي الخسروشاهي

11

عبد الله بن سبأ بين الواقع والخيال

فرغم هذه الأهوال التي تكاد لاتصدّق ، لم تستسلم هذه الشعوب لما قدّر لها ، وظلّت تقاوم بشموخ إلى أن استطاعت أن تخرج من هذه الأهوال بسلام ، وتقبض على زمام الأُمور ، تديرها عقول مدبّرة ومُصلحة ، بعيدة عن روح الانتقام والتعصّب ، أو توزيع التُهم بالمجّان ، وبدلًا عن ذلك راحت تدرس جميع الآراء ، وتحلّل كل القضايا بروح علمية وموضوعية محضة ، ثم تستخلص منها الدروس والعبر ، وتقدّمها للأجيال المتلاحقة التي استوعبت الدروس بدقّة ، وتعمل وفق ما تمليه عليها المصلحة ، فامتدّ نفوذها في كل أقطار الدنيا الوسيعة . لقد أدركت هذه الشعوب أنّ ماضي أيّ مجتمع هو كحاضره ، وليد بيئة اجتماعية معقّدة ، وفي ظلّ ظروف سياسية واقتصادية متقلّبة ، يستحيل معها أن لا تكون ثمّة أخطاء هنا وهناك ، وانحرافات في هذا الجانب أو ذاك . لكن هذا لا يعني وجوب إثارتها بشكل سلبي بحيث يعود ضررها على الناس جميعاً أو الدين نفسه ، وهو ماترفضه مصلحة الاسلام العليا . وأمّا الذين يرون عكس ذلك فهم واهمون حقّاً ! صحيح أنّه ليس من العدل ترك من يحاول أن يجرّ مركبة الاسلام بعيداً عن ساحل الأمان والسلام ، وصحيح أيضاً أنّه ليس من المصلحة التجرّي والقفز على الموائد للقبض على أولئك الشرذمة من « المتفقّهين » الجّهال ، وإلحاق الضرر بهم باشعال النار فيهم وبالمركبة معاً مثلًا ! ! فالمصلح الغيور ، والداعية المتديّن ، وإلى أيّ مذهبٍ ينتمي ، ينبغي عليه أن يتذكّر شيئين من قبل أن يخوض غمار عمله : الأول : أنّ لكل مذهب أو طائفة تاريخاً حيوياً يضرب جذوره في الأعماق ، إلى درجة نعتقد معها أنّه يصعب شطبه . يودّ كلٌّ منهم أن يلاقي احترام الغير له ، وألّا يستمرّ « الآخرون » في المساهمة في الإنقاص من مكانته ، وقدسية انجازاته ، بالانسياق وراء الأفكار والادّعاءات التي تحاول أن تجرّده من كلّ ابداعاته الفكرية